ابن ميمون

250

دلالة الحائرين

--> يلزم من انقسام الجسم انقسامه ، وهو كل عرض لا يكون شائعا في الجسم بل يكون من قبيل أطرافه أو عارضا له بسبب أطرافه كالسطح والخط والنقطة فان هذه أعراض في الجسم ولا يلزم من انقسام الجسم انقسامها ، أما في السطح ففي السمك دون الباقيين ، وأما في الخط ففي العرض والسمك دون الطول . ومثال ما يكون عارضا للجسم بسبب أطرافه : الشكل العارض له بسبب السطح كالتربيع فإنه لا يلزم أن ينقسم بانقسام الجسم انقساما يكون كل واحد من أجزائه تربيعا بخلاف القسم الأول ، فإنه إذا عرض للجسم المتلون انقسام يلزم منه انقسام اللون بحيث يكون كل واحد من أجزائه ملونا ، ولا يبعد أن يقال : الشكل وإن لم ينقسم بانقسام الجسم إلى أجزاء مماثلة لكلها ولكنه ينقسم بانقسامه في الجملة وإن كان إلى أجزاء مخالفة لكلها . وثالثها ما يقوم الجسم ويلزم من انقسام الجسم انقسامه ، هذا مثل الهيولى والصورة الجسمية فإنهما مقومتان للجسم ويلزم من انقسام الجسم انقسامهما ، وذلك لأنه إذا عرض للجسم انقسام وانفصال فالقابل للانفصال ليس هو الاتصال الجسمي ، لأن الاتصال ضد الانفصال ولا يكون في الشيء قوة قبول ضده البتة ، وإذ ليس القابل للانفصال في الحقيقة الصورة الجسمية في الجسم فالقابل له فيه إنما هو الهيولى فقد لزم من ورود الانقسام على الجسم وروده على الهيولى ، وأما الصورة الجسمية فلا يمكن أن تقبل القسمة الانفكاكية لما ذكرناه ، ولكنها تقبل القسمة الوهمية ، والقسمة بحسب اختلاف الأعراض ، فإنه يمكن أن يفرض في الاتصال الجسمي في الوهم شيء غير شيء ، وكذلك يمكن أن يصير بعضه محلا لبعض الأعراض دون بعض منه ، سواء كانت تلك الأعراض إضافية فقد لزم أيضا من ورود الانقسام على الجسم وروده على الصورة الجسمية أعنى القسمة الوهمية وقسمة اختلاف الأعراض ، وأما القسمة الانفكاكية فلا . ورابعها ما يقوم الجسم ولا يلزم من ورود الانقسام على الجسم وروده على ذلك المقوم ، هذا مثل العقل فإنه علة لوجود الجسم كما سيأتي بيانه في موضعه ، وعلة وجود الشيء تكون مقوما له لا محالة ، ولا يلزم من انقسام الجسم انقسام ما هو مقوم لوجوده وهو العقل . واعلم أن الفرق بين تقويم الهيولى والصورة للجسم وبين تقويم العقل له من وجهين : أحدهما أن الهيولى والصورة مقومتان للجسم بالمواصلة ، والعقل مقوم له في وجوده أي علة لوجوده ، وأسباب وجوده لا محالة ، لأن أسباب الماهية إنما هي الذاتيات ، وأسباب الوجود إنما هي العلل الفاعلة مع الشرائط المعتبرة في تأثيرها . واعلم أن صاحب الكتاب قرن النفس والعقل في هذا الموضع وليست النفس علة لماهية الجسم من حيث هو جسم ولا لوجوده ، ولكنها كمال أول للأجسام مكملة لها في فيض الحياة وتوابعها من الحس والحركة وغيرهما عليها ، فهي مقومة للأجسام في كمالاتها دون ماهيتها ووجودها ، ولا يلزم من انقسام الجسم انقسامها أعنى النفوس المجردة التي ليست بجسم ولا جسماني كالنفوس الناطقة . وأما النفوس الجسمانية كالنفوس الحيوانية والنباتية فيلزم من انقسام الجسم انقسامها فعلى هذا الوجه - وهو أن يراد بالنفس النفس المجردة في تكميل الجسم في الحياة دون ماهيته ووجوده - صح تمثيله بالنفس في هذا القسم واللّه أعلم .